❞ كتاب تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير )  ❝  ⏤ أبو بكر بن أبي خيثمة

❞ كتاب تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير ) ❝ ⏤ أبو بكر بن أبي خيثمة

نبذة عن الكتاب:

الحافظ ابن أبي خيثمة ناقدًا

كثيرًا ما تُسلَّط الأضواء على نتاج بعض العلماء، فتُبرَز بها مجهوداتهم وإنجازاتهم، إلا أنها ربما سُلِّطت على زاويةٍ من الزوايا، فتوارت الزوايا الأخرى، وإن كانت مهمةً، في الظل.

وإن من واجبات الباحث المطَّلع، بِرًّا بالعالِم، واعترافًا بعلمه وفضله، أن يوليَ «الزوايا المتوارية» من شخصيته ونتاجه العلمي حقَّها من الإبراز والإشادة.

ومن النماذج الظاهرة لهذه القضية، نموذج الحافظ المتفنّن أحمد بن زهير بن حرب، المعروف بابن أبي خيثمة، وهو ممن صحب الأئمةَ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرَهما من أئمة المحدّثين، واستفاد منهم ومن غيرهم، حتى علا كعبه في غير علمٍ من العلوم، ثم أودع عصارة جهده، وخلاصة علمه، في كتابه الفذ: «التاريخ الكبير»، وهو الكتاب الذي وصفه الحافظ الخطيب البغدادي بأن مؤلِّفه «أحسن تصنيفَه، وأكثَرَ فائدتَه»، قال: «ولا أعرف أغزرَ فوائدَ منه»[1].

وفي دائرة علم الحديث، برز ابن أبي خيثمة راويًا من رواة الإمام يحيى بن معين، وناقلًا من نَقَلَة علمه وجرحه للرواة وتعديله فحسب، وتوارت في زاويةٍ خلفيةٍ حقيقةُ كونه حافظًا، محرِّرًا، معلِّلًا، ناقدًا.

ولتسليط الضوء على تلك الحقيقة المتوارية، كتبتُ رسالتي لنيل درجة العالِمية (الماجستير) بعنوان: الأحاديث التي ذكر فيها ابن أبي خيثمة اختلافًا في «التاريخ الكبير» (السِّفر الثاني)، فدرستُ فيها قرابة ستّين حديثًا تكلَّم عليها ابن أبي خيثمة في السِّفر الثاني من تاريخه، وعلَّلها، وأبرزتُ من خلال ذلك اهتمامَه ومعرفتَه بعلم العلل، وممارستَه للنقد الحديثي بدقَّةٍ وحذق.

وسأعرض هنا، عبر تلك الرسالة، حقائقَ وبياناتٍ ملخَّصةً في هذا الجانب، ممهِّدًا بتعريفٍ بابن أبي خيثمة، ونشأته العلمية، ثم موضِّحًا وجوهَ عناية ابن أبي خيثمة بعلم العلل، ومنزلته فيه، ومنهجه في إيراد العلة، وفي عرضها، وأبرز أجناس العلل، وقرائن الترجيح والموازنة، عنده.

والله ولي التوفيق والإرشاد.

الحافظ ابن أبي خيثمة ناقدًا

كثيرًا ما تُسلَّط الأضواء على نتاج بعض العلماء، فتُبرَز بها مجهوداتهم وإنجازاتهم، إلا أنها ربما سُلِّطت على زاويةٍ من الزوايا، فتوارت الزوايا الأخرى، وإن كانت مهمةً، في الظل.

وإن من واجبات الباحث المطَّلع، بِرًّا بالعالِم، واعترافًا بعلمه وفضله، أن يوليَ «الزوايا المتوارية» من شخصيته ونتاجه العلمي حقَّها من الإبراز والإشادة.

ومن النماذج الظاهرة لهذه القضية، نموذج الحافظ المتفنّن أحمد بن زهير بن حرب، المعروف بابن أبي خيثمة، وهو ممن صحب الأئمةَ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرَهما من أئمة المحدّثين، واستفاد منهم ومن غيرهم، حتى علا كعبه في غير علمٍ من العلوم، ثم أودع عصارة جهده، وخلاصة علمه، في كتابه الفذ: «التاريخ الكبير»، وهو الكتاب الذي وصفه الحافظ الخطيب البغدادي بأن مؤلِّفه «أحسن تصنيفَه، وأكثَرَ فائدتَه»، قال: «ولا أعرف أغزرَ فوائدَ منه»[1].

وفي دائرة علم الحديث، برز ابن أبي خيثمة راويًا من رواة الإمام يحيى بن معين، وناقلًا من نَقَلَة علمه وجرحه للرواة وتعديله فحسب، وتوارت في زاويةٍ خلفيةٍ حقيقةُ كونه حافظًا، محرِّرًا، معلِّلًا، ناقدًا.

ولتسليط الضوء على تلك الحقيقة المتوارية، كتبتُ رسالتي لنيل درجة العالِمية (الماجستير) بعنوان: الأحاديث التي ذكر فيها ابن أبي خيثمة اختلافًا في «التاريخ الكبير» (السِّفر الثاني)، فدرستُ فيها قرابة ستّين حديثًا تكلَّم عليها ابن أبي خيثمة في السِّفر الثاني من تاريخه، وعلَّلها، وأبرزتُ من خلال ذلك اهتمامَه ومعرفتَه بعلم العلل، وممارستَه للنقد الحديثي بدقَّةٍ وحذق.

وسأعرض هنا، عبر تلك الرسالة، حقائقَ وبياناتٍ ملخَّصةً في هذا الجانب، ممهِّدًا بتعريفٍ بابن أبي خيثمة، ونشأته العلمية، ثم موضِّحًا وجوهَ عناية ابن أبي خيثمة بعلم العلل، ومنزلته فيه، ومنهجه في إيراد العلة، وفي عرضها، وأبرز أجناس العلل، وقرائن الترجيح والموازنة، عنده.
أبو بكر بن أبي خيثمة - أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة (زهير بن حرب) بن شداد. توفي حوالي عام 279 هـ . من رواة الحديث عند أهل السنة والجماعة. وأصله من نسا.

كان أبوه أبو خيثمة من العلماء ورواة الحديث النبوي، وكان عمّه زاهر بن حرب كاتباً لوالي مكة. فنشأ أبو بكر بن أبي خيثمة في بيت علميّ، فأسمعه أبوه من صغره ورعاه في مراحله المختلفة، كما انتقى له الشيوخ ودلّه على الأئمة وأخذه معه في رفقة عدد من المحدّثين كابن معين وأحمد بن حنبل. فكتب عنهم وسمع منهم. قال ابن أبي خيثمة في كتابه في ترجمة عبد الله بن جعفر بن غيلان: «كتبنا عنه سنة ثمان عشرة ومائتين، وأبي ويحيى بن معين معنا.»

قال الخطيب البغدادي: «أخذ علم الحديث عن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلم النسب عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي.» وقال: «ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن أبي خيثمة.»
من كتب التاريخ الإسلامي - مكتبة كتب التاريخ و الجغرافيا.

نُبذة عن الكتاب:
تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير )

2006م - 1441هـ
نبذة عن الكتاب:

الحافظ ابن أبي خيثمة ناقدًا

كثيرًا ما تُسلَّط الأضواء على نتاج بعض العلماء، فتُبرَز بها مجهوداتهم وإنجازاتهم، إلا أنها ربما سُلِّطت على زاويةٍ من الزوايا، فتوارت الزوايا الأخرى، وإن كانت مهمةً، في الظل.

وإن من واجبات الباحث المطَّلع، بِرًّا بالعالِم، واعترافًا بعلمه وفضله، أن يوليَ «الزوايا المتوارية» من شخصيته ونتاجه العلمي حقَّها من الإبراز والإشادة.

ومن النماذج الظاهرة لهذه القضية، نموذج الحافظ المتفنّن أحمد بن زهير بن حرب، المعروف بابن أبي خيثمة، وهو ممن صحب الأئمةَ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرَهما من أئمة المحدّثين، واستفاد منهم ومن غيرهم، حتى علا كعبه في غير علمٍ من العلوم، ثم أودع عصارة جهده، وخلاصة علمه، في كتابه الفذ: «التاريخ الكبير»، وهو الكتاب الذي وصفه الحافظ الخطيب البغدادي بأن مؤلِّفه «أحسن تصنيفَه، وأكثَرَ فائدتَه»، قال: «ولا أعرف أغزرَ فوائدَ منه»[1].

وفي دائرة علم الحديث، برز ابن أبي خيثمة راويًا من رواة الإمام يحيى بن معين، وناقلًا من نَقَلَة علمه وجرحه للرواة وتعديله فحسب، وتوارت في زاويةٍ خلفيةٍ حقيقةُ كونه حافظًا، محرِّرًا، معلِّلًا، ناقدًا.

ولتسليط الضوء على تلك الحقيقة المتوارية، كتبتُ رسالتي لنيل درجة العالِمية (الماجستير) بعنوان: الأحاديث التي ذكر فيها ابن أبي خيثمة اختلافًا في «التاريخ الكبير» (السِّفر الثاني)، فدرستُ فيها قرابة ستّين حديثًا تكلَّم عليها ابن أبي خيثمة في السِّفر الثاني من تاريخه، وعلَّلها، وأبرزتُ من خلال ذلك اهتمامَه ومعرفتَه بعلم العلل، وممارستَه للنقد الحديثي بدقَّةٍ وحذق.

وسأعرض هنا، عبر تلك الرسالة، حقائقَ وبياناتٍ ملخَّصةً في هذا الجانب، ممهِّدًا بتعريفٍ بابن أبي خيثمة، ونشأته العلمية، ثم موضِّحًا وجوهَ عناية ابن أبي خيثمة بعلم العلل، ومنزلته فيه، ومنهجه في إيراد العلة، وفي عرضها، وأبرز أجناس العلل، وقرائن الترجيح والموازنة، عنده.

والله ولي التوفيق والإرشاد.

الحافظ ابن أبي خيثمة ناقدًا

كثيرًا ما تُسلَّط الأضواء على نتاج بعض العلماء، فتُبرَز بها مجهوداتهم وإنجازاتهم، إلا أنها ربما سُلِّطت على زاويةٍ من الزوايا، فتوارت الزوايا الأخرى، وإن كانت مهمةً، في الظل.

وإن من واجبات الباحث المطَّلع، بِرًّا بالعالِم، واعترافًا بعلمه وفضله، أن يوليَ «الزوايا المتوارية» من شخصيته ونتاجه العلمي حقَّها من الإبراز والإشادة.

ومن النماذج الظاهرة لهذه القضية، نموذج الحافظ المتفنّن أحمد بن زهير بن حرب، المعروف بابن أبي خيثمة، وهو ممن صحب الأئمةَ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرَهما من أئمة المحدّثين، واستفاد منهم ومن غيرهم، حتى علا كعبه في غير علمٍ من العلوم، ثم أودع عصارة جهده، وخلاصة علمه، في كتابه الفذ: «التاريخ الكبير»، وهو الكتاب الذي وصفه الحافظ الخطيب البغدادي بأن مؤلِّفه «أحسن تصنيفَه، وأكثَرَ فائدتَه»، قال: «ولا أعرف أغزرَ فوائدَ منه»[1].

وفي دائرة علم الحديث، برز ابن أبي خيثمة راويًا من رواة الإمام يحيى بن معين، وناقلًا من نَقَلَة علمه وجرحه للرواة وتعديله فحسب، وتوارت في زاويةٍ خلفيةٍ حقيقةُ كونه حافظًا، محرِّرًا، معلِّلًا، ناقدًا.

ولتسليط الضوء على تلك الحقيقة المتوارية، كتبتُ رسالتي لنيل درجة العالِمية (الماجستير) بعنوان: الأحاديث التي ذكر فيها ابن أبي خيثمة اختلافًا في «التاريخ الكبير» (السِّفر الثاني)، فدرستُ فيها قرابة ستّين حديثًا تكلَّم عليها ابن أبي خيثمة في السِّفر الثاني من تاريخه، وعلَّلها، وأبرزتُ من خلال ذلك اهتمامَه ومعرفتَه بعلم العلل، وممارستَه للنقد الحديثي بدقَّةٍ وحذق.

وسأعرض هنا، عبر تلك الرسالة، حقائقَ وبياناتٍ ملخَّصةً في هذا الجانب، ممهِّدًا بتعريفٍ بابن أبي خيثمة، ونشأته العلمية، ثم موضِّحًا وجوهَ عناية ابن أبي خيثمة بعلم العلل، ومنزلته فيه، ومنهجه في إيراد العلة، وفي عرضها، وأبرز أجناس العلل، وقرائن الترجيح والموازنة، عنده. .
المزيد..

تعليقات القرّاء:

تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير ) 


(ابن أبي خيثمة)

اسمه ونسبه:

هو أحمد بن زهير بن حرب بن شداد الحَرَشِي، أبو بكر ابن أبي خيثمة، وأبوه مولى بني الحريش بن كعب بن عامر بن صعصعة[2]، وكان اسم جده: أشتال، فعُرِّب: شدادًا[3].

وأصله من نَسَا، وهي بلدة بخراسان[4]، وهي الآن مدينة أثرية في جمهورية تركمانستان.

نشأته العلمية:

قال الذهبي: «وهو من أولاد الحفاظ، فكان أبوه يُسمِعه وهو حدث»[5].

وأبوه هو الحافظ، الثبت، المعتني بالحديث وعلومه، المصنِّف فيها، أبو خيثمة؛ زهير بن حرب.

وقد كان أبو خيثمة يكنى بابنه أحمد –فيما يظهر-، قال الإمام أحمد بن حنبل: «أنا كنيتُ زهيرَ بنَ حرب: أبا خيثمة، كنا عند أبي معاوية، فاستملى لنا أبو خيثمة، وكان كنيته أبو محمد، أو أبو أحمد»[6].

وكان أبو خيثمة رفيقًا لأحمد بن حنبل في الطلب، كما يظهر من النص السابق، وكما في قوله: «وقد كتب لي أبو خيثمة أيضًا عند هشيم مجلسًا»[7].

كما كان رفيقًا لابن معين في مجالِسِه، وجرت بينهما مذاكراتٌ ومحاوراتٌ علميةٌ عديدة، حفظها غيرُ واحدٍ من أصحاب ابن معين[8]، وكان ابن أبي خيثمة يحضرها معهم، وقد نقل طرفًا منها[9].

وكان ابن أبي خيثمة ربما كتب عن الشيخ من المحدِّثين وهو برفقة هذين الإمامين: والده، وابن معين، يبيِّن ذلك قوله في ترجمة عبدالله بن جعفر الرقي: «كتبنا عنه سنة ثمان عشرة ومائتين، وأبي ويحيى بن معين معنا»[10].

وفي موضع آخر يقول: «وخرجنا في سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكة، فقلت لأبي: عمن أكتب؟ قال: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت»[11]، وهذا يحتمل أن يكون سفرًا خاصًّا بابن أبي خيثمة، ويحتمل أن يكون أبوه معه فيه، وهو في كل الأحوال يبين اهتمام أبي خيثمة بابنه، وحرصه عليه في علمه وكتابته، وكان وقتذاك شابًّا.

وهكذا نشأ ابن أبي خيثمة في رعاية هذا الإمام، وتعلَّم منه، وتخرَّج به.

شيوخه وتلامذته:

تتلمذ ابن أبي خيثمة على مشيخةٍ كثيرة، وروى عن عدد جمٍّ في كتابه التاريخ، حتى إن الذهبي ترجم له، فذكر عدةً من شيوخه، ثم قال: «وخلقًا كثيرًا»[12]، وقال في موضع آخر: «وأُممًا سواهم. وهو أوسع دائرةً من أبيه»[13].

ونصَّ الخطيب البغدادي على أبرز شيوخه الذين تخرج بهم في الفنون، فقال: «أخذ علمَ الحديث عن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلمَ النسب عن مصعب بن عبدالله الزبيري، وأيامَ الناس عن أبي الحسن المدائني، والأدبَ عن محمد بن سلام الجمحي[14].

ومن مشاهير شيوخه: أحمد بن عبدالله بن يونس، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبيدالله بن عمر القواريري، وعفان بن مسلم، وعلي بن الجعد، وأبو نعيم؛ الفضل بن دكين، وأبو عبيد؛ القاسم بن سلام، ومسدد بن مسرهد.

كاا تلمذ لابن أبي خيثمة جمعٌ كثير، عدَّ منهم الخطيبُ البغداديُّ جماعةً، فقال: «وخلق كثيرٌ سواهم»[15]، قال الخطيب، وذكر تاريخ ابن أبي خيثمة: «وكان لا يرويه إلا على الوجه، فسمع منه الشيوخ الأكابر، كأبي القاسم البغوي، ونحوه»[16]، وهاتان كلمتان من الخطيب، إحداهما في عدد تلامذة ابن أبي خيثمة، والأخرى في نوعيتهم.

وقد كان ابن المنادي قال في ابن أبي خيثمة: «أكثر الناسُ عنه السماعَ»[17].

ومن أبرز تلامذته: أحمد بن سلمان النجاد، وأحمد بن محمد بن زياد؛ ابن الأعرابي، وأحمد بن محمد؛ أبو سهل ابن زياد القطان، وإسماعيل بن محمد الصفار، وعبدالله بن سليمان بن الأشعث؛ أبو بكر ابن أبي داود، وعبدالله بن محمد بن عبدالعزيز؛ أبو القاسم البغوي، وعبدالرحمن بن محمد بن إدريس؛ ابن أبي حاتم، وقاسم بن أصبغ القرطبي، ومحمد بن أحمد بن زهير (ابنه)، ومحمد بن جرير الطبري، ويحيى بن محمد بن صاعد.

علومه ومصنَّفاته:

نشأ ابن أبي خيثمة –كما سبق- في كنف أحد الأئمة العلماء، وهو والده أبو خيثمة زهير بن حرب، فأثَّر هذا على تكوينه العلمي، حيث شبَّ طلَّابةً للعلم، نهمًا في تحصيل فنونه، حتى صارت دائرته أوسع من دائرة أبيه –كما سبق نقله عن الذهبي-.

وأبوه هو مؤلف كتاب (العلم)، الذي أصَّل فيه للموضوع، وأورد أخبارًا وآثارًا متنوعةً فيه، فلا غرو أن يكون ابنُه أولَ الناس استفادةً من عنايته بهذا الجانب.

وقد صرح الخطيب البغدادي بتنوُّع علوم ابن أبي خيثمة، فقال: «وكان ثقة، عالـمًا، متقنًا، حافظًا، بصيرًا بأيام الناس، راويةً للأدب»، ثم ذكر أبرز شيوخه في فنون: الحديث، والنسب، وأيام الناس، والأدب، وقد سبق نقله[18]، وقال الفرغاني: « وكانت له معرفةٌ بأخبار الناس وأيامهم»[19]، وقال ابن تغري بردي: «كان عالـمًا، حافظًا، ذا فنون...»[20].

ومن فنون ابن أبي خيثمة –سوى ما ذكره الخطيب-: روايته قراءة القرآن الكريم، حيث رواها عن أبيه، وعن خلف بن هشام - وهو إمام في القراءات[21]-، ورواها عنه جماعة[22].

كما أن لابن أبي خيثمة اختياراتٍ فقهية -لم أرَ من أشار إليها-، وقد كان النديم قال فيه: «وكان فقيهًا»، مع وصفه إياه بأنه من المحدّثين الأخباريين[23].

وقد أفرز هذا التنوُّعُ المعرفيُّ تنوُّعَ النتاج التصنيفي لابن أبي خيثمة، حتى إن ابن حبان أبرز هذا الجانب في ترجمته، فقال: «ممن جمع وصنف، مع إتقانٍ فيه»[24]، ويحتمل قول ابن المنادي فيه: «كثير الكتاب»[25]: كثرة الجمع، وكثرة التصنيف، أو كِبَر المصنَّفات.

ومما صنَّف ابنُ أبي خيثمة[26]:

1- التاريخ:

وهو أشهر كتبه، والمتأمل فيه يظهر له تنوع معارف ابن أبي خيثمة بوضوح:

فهو من جهة الحديث كتابٌ مليءٌ بالأحاديث، والآثار، وأحوال الرجال، وأحوال الأحاديث، وقضايا حديثية أخرى.

ومن جهة النسب في غاية العناية بأسماء الرجال، وأنسابهم، وقبائلهم، ومواليهم، وما إلى ذلك.

ومن جهة أيام الناس مذكورٌ فيه الأحداث والوقعات، والسير، والغزوات، والوفيات، وغيرها.

وفيه جانبٌ كبيرٌ من الأدب شعرًا ونثرًا، وإن لم يكن فيه بظهور الجوانب الأخرى[27].

ولهذا قال ابن أبي خيثمة نفسُه في تاريخه: «من أخذ هذا الكتاب، فقد أخذ جوهر علمي، لقد استخرجتُه من بيتٍ ملآنٍ كتبًا، وفيه ستون ألف حديث، عشرة آلاف مسندة إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، وسائره مراسِلُ وحكايات، وإنما كتابي لمن حشى حوطته من الحديث، لأني إنما آخذ الأطراف»[28].

وقال الخطيب البغدادي -مع سعة اطلاعه منقطعة النظير، وكثرة مصادره، ووفرة مقروءاته ومسموعاته، وضخامة تاريخه- في ترجمة ابن أبي خيثمة: «وله كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفَه، وأكثر فائدتَه...، ولا أعرف أغزر فوائدَ من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن أبي خيثمة»[29]، وقال ابن الجوزي: «وصنف تاريخًا مستوفًى، كثيرَ الفوائد»[30]، وقال الذهبي: «صاحب التاريخ الكبير، الكثير الفائدة»[31]، وقال ابن كثير: «وفي تاريخه هذا فوائد كثيرة، وفرائد غزيرة»[32].

وقد استُلَّت من الكتاب أجزاء، فربما عُدَّت كتبًا مستقلة، كـ«التاريخ الأوسط»، و«من روى عن أبيه، عن جده»، و«أخبار البصريين».

2- أخبار الشعراء.

3- الإعراب.

4- المتيَّمين.

وفاته:

توفي يوم السبت، لتسع خلون من جمادى الأولى، سنة تسع وسبعين ومائتين[33].

وكانت وفاته سكتة، كما ذكر الفرغاني[34].

رحمه الله رحمة واسعة.

♦♦♦♦♦

(ابن أبي خيثمة ناقدًا)

لم يُبرِز العلماء الذين ترجموا لابن أبي خيثمة، بحسب ما وقفتُ عليه، عنايتَه بالجانب النقدي من علم الحديث، ولا منزلتَه ومنهجَه فيه، وإن كانوا تكلَّموا بكلماتٍ مجملةٍ في استمداده علمَ الحديث من أحمد وابن معين، وفي حفظه وإتقانه، وقد سبق نقل ذلك في التعريف به.

ولأجل لذلك، كان لزامًا تتبُّع دلائل هذه العناية، واستنباطها، وترتيبها، مع أنها في درجةٍ من الظهور كبيرة.

عناية ابن أبي خيثمة بعلم العلل:

يمكن بالاستقراء والسبر تبيُّن أوجُه عناية ابن أبي خيثمة بعلل الحديث، فمن ذلك:

14- العناية باختلاف الرواة:

علم العلل في الأصل هو علم اختلاف الرواة، وما يرتبط به من طرائق عرض الخلاف، وقرائن الترجيح والتعليل، وما إلى ذلك.

وقد أكثر ابن أبي خيثمة في تاريخه من إيراد اختلافات الرواة في الرواية عن مداراتٍ عديدة، وبأجناسٍ متنوعةٍ من الاختلافات، وهو أمر ظاهر عند استعراض كتابه[35].

وقد ينصُّ ابن أبي خيثمة أحيانًا في ترجمة بعض الرواة على أنه مختلف في حديثه، أو ينصُّ على أن حديثًا قد اختُلف فيه.

 

ومن نماذج ذلك أنه ترجم لثابت بن وديعة، وقال: «روى حديثَه زيدُ بنُ وهب، واختُلف عنه فيه»، ثم ساق الخلاف[36]، وترجم لنوفل الأشجعي، فقال: «مختلف في حديثه»، ثم ساق الخلاف فيه[37]، وترجم لكعب بن زيد، ثم قال: «اختلفوا في حديثه»[38]، وقال في ترجمة ملحان أبي عبدالملك: «مختلف في حديثه»[39].

ومنه قوله في حديثٍ: «وهذا حديث مختلف فيه، فذكرت اختلافه قبل»[40]، وقوله في حديثٍ آخر: «وهذا حديث مختلف فيه، وقد كتبت اختلافه في أخبار مسروق بن الأجدع»[41]، وفي آخر: «هذا حديث مختلف فيه، وقد كتبته قبل هذا»[42]، وفي آخر: «وهو حديث مختلف في إسناده، وقد تقدم ذكره»[43].

وهذا يبيِّن أنه كانت لابن أبي خيثمة عنايةٌ بالغةٌ باختلافات الرواة، وكتابتها، وإدخالها في كتابه، حتى إنه ربما أحال إلى خلافٍ ذَكَرَه في موضعٍ إذا جاءت مناسبتُه في موضعٍ آخر.

2- العناية ببيان مراتب الرواة:

يرتكز علم العلل على عدة مقومات، من أهمها: طبقات الرواة، ومنازلهم وترتيبهم في الجملة، أو في حفظ حديث شيخٍ معينٍ يشتركون في الرواية عنه، وذلك لبيان أصح الروايات عن مدارات الأحاديث، وترجيح بعضها على بعض.

وقد اعتنى ابن أبي خيثمة بهذا الجانب، فنقل عن أئمة النقد عدةَ نقولاتٍ في أصحاب علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-[44]، ومجاهد[45]، ونافع[46]، وعروة[47]، والزهري[48]، وإبراهيم[49]، وقتادة[50]، وثابت[51]، والأعمش[52]، ومنصور[53]، والأوزاعي[54].

ويلحظ في هذه النقولات –مع أن المذكور هنا لم يكن على سبيل الحصر- تنوُّع طبقات المدارات، وتنوع بلدانها، وتعدُّد الأئمة المنقولِ عنهم.

كما نقل ابن أبي خيثمة عدةَ نقولاتٍ في المقارنة بين الرواة بإطلاق، دون ربطهم بشيخٍ معيَّن[55].

 

3- العناية ببيان مراتب حديث الراوي:

كان مِن أهم ما يَعتمد عليه الأئمةُ في الترجيح والإعلال: تفصيل أحوال الرواة، والنظر في الجهات التي كان ضبطهم فيها أعلى، أو أقل، منه في غيرها.

ومن مظاهر عناية ابن أبي خيثمة بهذه القضية: نقوله عن بعض الأئمة في ذلك، كما في نقله قول ابن معين: «إذا حدثك معمر عن العراقيين فخفه، إلا عن الزهري، وابن طاووس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا»[56]، وقوله: «قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير فلم أحفظ أسانيده». قال: «وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب كثير الأوهام»[57]، وكما في نقله قول ابن معين: «ابن أبي حازم ليس بثقة في حديث أبيه»، مع نقله قبل ذلك قوله: «ابن أبي حازم ثقة صدوق ليس به بأس»[58]، وكما في نقله قول ابن معين: «قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير»[59]، وغير ذلك.

4- استعمال قرائن متنوعة في الترجيح:

رجَّح ابن أبي خيثمة، وأشار إلى الترجيح، في اختلافات كثيرة عقدها في كتابه، واستند في ذلك إلى قرائن متعددة، تدلُّ على فهم ومعرفة وإتقان لصنعة الحديث، وعلم العلل، وقرائنه، مثل: الحفظ، والكثرة، والقدر المشترك، وذكر التفصيل، والمتابعات القاصرة، وغيرها، وستأتي فقرة خاصة لهذه القرائن -بإذن الله-.

5- نقل الترجيح والإعلال عن أئمة النقد المشهورين وغيرهم:

تميز بعض أئمة الحديث بوفرة النتاج النقدي، وذلك في مجالسه ومذاكراته التي يعقدها مع تلامذته وأقرانه، كما أن مِن الأئمة من لم يشتهر بذلك، لكنَّ له نقداتٍ وترجيحاتٍ يفيد بها بعقب بعض مروياته، إذ الأصل أن لدى كل راوٍ مُطَّلعٍ الملكةُ النقديةُ التي تؤهله لهذا، أصاب في نقده أو أخطأ[60]

وقد اعتنى ابن أبي خيثمة عنايةً ظاهرةً بنقل أقوال بعض هؤلاء الأئمة، وترجيحاتهم، وأحكامهم على الرواة بالخطأ، والوهم، والصواب، وغير ذلك.

وأول مَن يَبرز في نقلِ ابن أبي خيثمة وإكثارِه عنه، هو الإمام الحافظ يحيى بن معين، حيث أكثر ابن أبي خيثمة النقل عنه في جوانب حديثية مختلفة، واشتُهِرَت نقوله عنه في جانب جرح الرواة وتعديلهم، فَعُدَّ أحد رواة ابن معين في هذا الباب، ويظهر أن لتفريغ ابن أبي حاتم نقولاتِ ابن أبي خيثمة في كتابه «الجرح والتعديل» أثرًا في إشهار ذلك.



سنة النشر : 2006م / 1427هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 31.3 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير )

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل تاريخ ابن أبي خيثمة ( التاريخ الكبير )
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
أبو بكر بن أبي خيثمة - Abu Bakr bin Abi Khaithama

كتب أبو بكر بن أبي خيثمة أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة (زهير بن حرب) بن شداد. توفي حوالي عام 279 هـ . من رواة الحديث عند أهل السنة والجماعة. وأصله من نسا. كان أبوه أبو خيثمة من العلماء ورواة الحديث النبوي، وكان عمّه زاهر بن حرب كاتباً لوالي مكة. فنشأ أبو بكر بن أبي خيثمة في بيت علميّ، فأسمعه أبوه من صغره ورعاه في مراحله المختلفة، كما انتقى له الشيوخ ودلّه على الأئمة وأخذه معه في رفقة عدد من المحدّثين كابن معين وأحمد بن حنبل. فكتب عنهم وسمع منهم. قال ابن أبي خيثمة في كتابه في ترجمة عبد الله بن جعفر بن غيلان: «كتبنا عنه سنة ثمان عشرة ومائتين، وأبي ويحيى بن معين معنا.» قال الخطيب البغدادي: «أخذ علم الحديث عن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلم النسب عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي.» وقال: «ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن أبي خيثمة.». المزيد..

كتب أبو بكر بن أبي خيثمة
الناشر:
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
كتب الفاروق الحديثة للطباعة والنشر❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ الإقناع في مسائل الإجماع (ط. الفاروق) ❝ ❞ مصباح الأريب في تقريب الرواة الذين ليسوا في تقريب التهذيب ❝ ❞ صون الشرع الحنيف ببيان الموضوع والضعيف المجلد الأول ❝ ❞ صون الشرع الحنيف ببيان الموضوع والضعيف المجلد الثاني ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ عمرو عبد المنعم سليم ❝ ❱.المزيد.. كتب الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
حروف توبيكات مزخرفة بالعربيكتب الأدبالكتابة عالصوركتب القانون والعلوم السياسيةأسمك عالتورتهاصنع بنفسكقراءة و تحميل الكتبالتنمية البشريةكتب الروايات والقصصالقرآن الكريمكتابة على تورتة مناسبات وأعيادالمساعدة بالعربيبرمجة المواقعكتب السياسة والقانونكتابة على تورتة الخطوبةحكم قصيرةكتابة على تورتة الزفافحكمة زخرفة أسامي و أسماء و حروف..كتب تعلم اللغاتمعاني الأسماءكتب للأطفال مكتبة الطفلخدماتكتب اسلاميةكتب الطبخ و المطبخ و الديكورمعاني الأسماءالكتب العامةتورتة عيد الميلادزخرفة توبيكاتشخصيات هامة مشهورةSwitzerland United Kingdom United States of Americaالطب النبويكورسات مجانيةزخرفة الأسماءكتب التاريخكورسات اونلاينOnline يوتيوبFacebook Text Artكتب قصص و رواياتمعنى اسم